الملاذ الأخير

لتحميل القصة انقر هنا

 

 

قصة: سلام بن رزاق *

ترجمة: د. محمد علي أختر**

قلق مزق كبد الملك، وكان يزداد قلقه ويضيق صدره مع مرور الأيام. استدعى المستشارين، واستشار الوزراء واستنصح المصلحين. دبّر خططًا واتخذ طرقا ولكن بدون جدوى، لم تثمر أي طريقة ولم تنجع أية خطة. تفشى في البلاد الفساد والرشا تفشي الأمراض المعدية. تداعت بنيتها الاقتصادية حتى أوشكت أن تنهار انهيار العمارة المبنية من الرمل. تغلغلت الرشا في أحشاء المواطنين إلى حد أن كانوا يعتبرون يومهم ضائعًا إذا لم يظفروا فيه برشوة. ولم ينج من الداء لا وزير ولا حارس. اعتبر الجميع أخذ الرشوة من حقهم. عمت الرشا في البلاد وأصبحت كأنها من صميم القيم وعين الأخلاق. وعجز القانون عن سدها لأن المسجون بتهمة الرشوة، عرف الطريق إلى الإفلات بفضل الرشوة ذاتها، فكان ينسل من السجن كما ينسل الماء من الغربال وكما ينزلق الرمل من قبضة اليد.

وإذا بحادث مُنى به الملك، بلغ قلقه بسببه مبلغه، وبلغ اضطرابه ذروته. حدث أن مرض الملك بداء استمر لأيام، ولما تشفى منه بعد الدواء، واغتسل غسل الصحة والعافية، وزن الدنانير مثل وزن جسده، وسلمها إلى رئيس وزرائه لأن يتصدق بها على الفقراء ومساكين بلاده. وكان رئيس الوزراء غاية في الجشع، فاحتفظ من الدنانير بنصفها لنفسه، وفوّض محافظ المدينة بتوزيع النصف الباقي. ولم يكن المحافظ أقل منه جشعًا وخبثًا. فاستأثر بنصف النصف وسلّم ما بقي إلى نائبه، الذي بدوره أخذ بحصته نصفًا، وسلم ما تبقى من الدنانير إلى موظفٍ تحته، وهلمّ جرا، وفي النهاية لم يبق من الدنانير إلا دينار فاز به فقير في المدينة. أبلغ الملكَ عن الحادث عيونه الموثوقون، فطار لبه وبلغ من القلق نهايته ولم يدر ماذا يفعل! ما أشدَّ تعاسةَ المزارع إذا أخذ السياج في ابتلاع الزرع!

في قديم الزمن، إن واجه الملك مشكلة معقدة يستحيل حلها، لجأ إلى أمرين: إما أقبل على لعب الشطرنج، أو خرج للصيد. تأمل الملك أمره، ونظر في الخيارين. أَوَ يجلس للشطرنج أم يخرج صائدا؟ أما الشطرنج، فكان لعبه مرة أو مرتين مع رئيس الوزراء، ولكنه كان مهووسًا بالغش إلى حد أن كان لا يرعوي عنه في اللعب حتى مع الملك. كان يستغفله ويغير القطع خلسة. وكان الملك يحترق حنقًا ولكن يغالبه مروءة ويبتلع غشه غصة. كان كريم النفس وشريف السجية، فلم يرقه أن يعاتب رئيس وزرائه لمثل هذا الأمر الهين، ولم يلق به أن يلعب الشطرنج مع شخص غيره. ولذا فعزم على الخروج للصيد وحيدًا، ولأنه كان يريد التأمل في المشكلة بجانب الصيد.

ذات يوم استيقظ الملك مبكرًا في الصباح، واكتسى لباس الصيد وأخذ السلاح. أخرج من الإصطبل فرسه المفضل وبوحده اتجه إلى الغابة. دلق الفرس سريعًا، فرحبت به نفحات طرية من الهواء، ودوت الغابة بأصداء حفوفه. واضطربت الطيور على الأشجار مهفهفة، واشرأبت الوحوش إليه بحذر. لم يقبل الملك على شيء، وظل ينطلق راكضًا، وهو غارق في تفكيره وضائع في تأمله. فكر في ما آل إليه أمره وهو ملك البلاد، يتخبط دون جهة ويتسكع تسكع الأعاصير الشاردة. انتابه أسف شديد ورثى لحاله وقلة حيلته، ولكن غالب شعوره بقوة وانطلق قُدُما.

انتصفت الشمس السماء، وتبلل الملك وفرسه كلاهما عرقاً، وأحس بالعطش، كما كان الفرس يلهث إرهاقًا. فشَدَّ اللجام. فانخفضت سرعة الفرس وجرى خببًا. أجال الملك بصره بحثًا عن الماء، فرأى شلالاً يسقط قريبًا. ترجل الملك من فرسه، وارتوى من الماء مغترفًا، ورش وجهه برذاذات منه، كما أروى فرسه، وبدأ يسير على قدميه ممسكا بلجامه.

نظر حوله. كانت الغابة تدوي بالصمت. كان قطع شوطًا كبيرًا بدون وعي وضل الطريق، فلم يذكر من أين جاء ولم يدر إلى أين يذهب؟ سار هنيهة، فرأى أغنامًا تسرح في مغرس أمامه. اقترب منه، فوجد قطيعة من الأغنام ترعى، وراعيًا يشرف عليها مستلقيا في ظل شجرة. قام الراعي منتفضًا وفغر فاه حيرة حين وجد الملك أمامه وكان عرفه. اقترب الملك منه وسأل:

  • أخي الراعي! ضللت الطريق، فأخبرني كم تبعد المدينة من هنا؟

رد الراعي مطأطأ رأسه:

  • فدتك روحي أيها الملك! السير مستقيمًا إلى جهة الشرق يوصلك إليها في ساعة.

شكره الملك وانعطف للعودة، وإذا به وقع بصره على شجرة تتدلى منها جثة كلب مشنوقة بحبل. تجمد في مكانه وسأل الراعي باستعجاب مشيرا إليها:

  • ما هذا أيها الأخ! من شنق هذا الكلب؟

تلعثم الراعي أول الأمر، ثم استجمع قوته وأجاب منحنيًا:

  • جلالة الملك! أنا الذي شنقه.
  • وماذا كانت جريمته؟
  • هذه حكاية طويلة.
  • ولا بد من أن أسمعها.

تردد الراعي لحظة، ولكن كان عليه أن يمتثل لأمر الملك، فتنحنح استعدادا وبدأ.

  • “جلالة الملك! إن هذا الكلب كان حارسا لأغنامي، موثوقا به. وبلغت ثقتي به أن كان يذهب بها في غيابي ليرعاها ويحرسها بوحده. وذات مساء حين عاد بها، افتقدت غنمًا في القطيعة. بحثت عنه كثيرًا ولم أعثر عليه. وجرت العادة بعد ذلك أن خسرت غنمًا كل يومين أو أربعة أيام. اعتراني الشك أن ذلك عمل راع يعيش في جواري. فخرجت يومًا للغابة في إثر القطيعة. واختفيت على شجرة بين أغصانها. كانت الأغنام ترعى والكلب يحرس عليها رابضًا على صخرة علت من المغرس. ولم يمض وقت طويل حتى سمعت حفيفًا من وراء أجمة، فانتبهت إليه ورأيت رأس ذئب يخرج منها. وقد لمحه الكلب كذلك، فعدا إليه كالسهم. وتصورت مصارعة عنيفة بينهما. وإذا به حدث ما لم يخطر قط ببالي. فما إن دخل الكلب الأجمة حتى بدأ يشم ما بين فخذي الذئب ويلحسه. كانت ذئبة بالأصل. ورأيت بعد قليل بعين حيرة ما لم يره أحد قط. رأيت الكلب يجامع الذئبة. حدق بي الارتباك، وتملكني الاستعجاب. ولم أكد أصدق ما رأيت وما جري أمامي من حدث خارق للعادة. ولما قضى الكلب وطره، تنحى بناحية بين الأعشاب، وأما الذئبة فأمسكت بعنق غنم وعادت إلى من حيث أتت. وبعد وقت قليل، طلع  الكلب من الأجمة وأخذ مكانه كما كان من قبل، متظاهرا بأنه يحرس الأغنام بكل يقظة وحذر وكأنه لم يحدث شيء. فهمت الأمر، فصنعت ربقة من الحبال بمساعدة من أولادي وشنقته بها من الشجرة”.

كان الملك مصغيًا إلى حكاية الراعي الغريبة بحيرة واستعجاب بالغين، ولما فرغ الراعي منها سأل الملكَ:

  • أيها الملك ! هل من جزاء أجدر بذلك الناكر الخائن من الشنق؟

لم يردّ الملك وكان يرمق في الخلاء شاردًا بنظره وغارقا في فكره، وإذا برأسه لمعت فيه الأضواء لمعان البرق في الظلماء، وشعر أن ذهنه انقشع منه غبار التردد وأن قلبه اندحرت عنه صخرة ثقيلة، فانبسط مثل زهرة غضة.

أعاد الراعي سؤاله.

  • جلالة الملك! أكان عقابي في غير مكانه؟
  • كلا، كان عقابك في غاية الصواب.

رد الملك ونزع من إصبعه خاتمًا من الألماس ومنح الراعي إياه قائلا:

  • وهذه جائزتك. وجزاء لك.
  • جزاء عن أي أمر أيها الملك؟

سأل الراعي بحيرة.

  • جزاؤك لأنك أرشدتني إلى الطريق.

وقبل أن يستطيع الراعي أن ينبس بكلمة، ركض الملك فرسه وابتعد.

*****

في صباح الغد،استيقظت البلاد على مشهد عجاب، طار بالألباب. وجد أهاليها مئات مشانق تتدلى في كل ساحة ومربع من البلاد. وكان المنادون يعلنون متجولين:

  • أيها المواطنون! المُلك لله والأمر للمَلِك، لِيعرف الجميع، الخاصة منهم والعامة، أن كل من يُقبض عليه منذ اليوم متلبسًا بأخذ الرشوة، يُشنق على رؤوس الأشهاد في قوارع الطرق بدون رحمة.

عم الهرج والمرج في أنحاء البلاد وبدأ الناس يخرجون أفواجًا من بيوتهم ويجتمعون في ملتقيات الطرق. كانت الحبال تتدلى خالية وتتأرجح بنفحات الهواء. لم يكن يُشنق أحد بعد، إلا أن كلا منهم كان يتخيل اسمه مكتوبًا على أحد المشانق.

يحكي الساردون أن البلاد منذ ذلك اليوم تطهرت من الفساد والرشوة، ونعِم الشعب بالهناء والرخاء وأحاطت السعادة بالبلاد إحاطة السحابة بالسماء.

أسعد الله أحوال الجميع كما أسعد حالهم!

* سلام بن رزاق هو الاسم المستعار للشيخ عبد السلام عبد الرزاق، وهو أحد أعلام القصة القصيرة باللغة الأردية في العصر المعاصر، وقد اكتسب شهرة واسعة في الأدب الهندي المعاصر، حيث شق لنفسه أسلوبا خاصا به وطريقة فريدة. حاز سلام بن رزاق على عديد من الجوائز الأدبية من المجامع الأدبية الإقليمية والمركزية في الهند وذلك اعترافًا بإنتاجاته الإبداعية والمترجمة. وهذه ترجمة القصة القصيرة باللغة الأردية (راسته).

** كاتب وباحث هندي.