حوار مع الأديب محمد بسام ملص

aljeelaljadeed

حاوره: أ. محمد مظهر جمالي*

في هذا اللقاء معنا أحد أبرز كتّاب أدب الأطفال في الأردن، الأديب محمد بسام ملص الذي ولد في عَمان، في 29 مارس عام 1950م. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها عام 1974م، ودبلوم علم المكتبات والمعلومات عام 1984م من الجامعة الأردنية. وإنه يتقن اللغة الفرنسية أيضًا. عمل معلمًا في وزارة التربية والتعليم (1974-1980م، كما عمل في مجال المكتبات لمدة ستة أعوام، وهو يعمل حاليًا في مجال تعليم اللغة الإنجليزية.

اهتم بثقافة الطفل منذ عام 1970م، ومسرح الأطفال تأليفًا وإخراجًا، ونشاط الطفل التمثيلي (دراما الطفل)، والقصص القصيرة، ومقالات ودراسات وقصص وكتب ثقافية باللغتين العربية والإنجليزية. إنه ألّف أكثر من 25 مسرحية للأطفال بمختلف المراحل العمرية، وقدّمتْ أكثرها على خشبة المسرح، ولم تنشر معظمها بعد.

قام بنشاطات تمثيلية مسرحية ثقافية متنوعة في مكتبات الأطفال (المكتبة العامة لأمانة عمان الكبرى وفروعها) ومراكز ثقافية ومدارس وورش عمل للمعلمين. وشارك في دورات وورشات عمل في علم المكتبات والنشاط التمثيلي والمسرحي.

لقد اهتم بقصص الأطفال اهتمامًا بالغًا، وصدرت له سلاسل ومسرحيات عديدة موجهة إلى الأطفال، ويبلغ عدد قصصه وكتب الأطفال أكثر من مئة منها: أولاد الحارة (1973م)، والفيل الأناني (1974م)، وحذاء الطنبوري (1975م)، والأصدقاء والثعلب (1976م)، ومزرعة الأصدقاء (عن رواية جورج أورويل) (1978م).

قد شارك في كثير من المسابقات وحصل على عديد من الجوائز التكريمية في أدب الأطفال وعلى رأسها: التأليف المسرحي، الجائزة الثالثة، دائرة الثقافة والفنون عن مسرحية للأطفال “أولاد الحائرة”عام 1977م، وجائزة التأليف المسرحي، جامعة الملك سعود، عن مسرحية “رجل في العصفور” عام 1983م. وفاز الكتابان للأطفال “وجعلنا من الماء كل شىء حي” و”التلوث” بمسابقة مكتب التربية العربي لدول الخليج عام 2003م.

*****

س: في البداية، أود أن أعرف كيف بدأت رحلتك العلمية والتربوية؟

ج: درستُ في مدارس خاصة، تخرّجت في الجامعة الأردنية عام 1974م، بكالوريوس أدب إنجليزي، ثم علم المكتبات والمعلومات دبلوم/دراسات عليا عام 1984م.

عملت في وزارة التربية والتعليم معلماً (1974-1980م)، ثم في مجال المكتبات (1980-1986)، ثم معلمًا خاصًا، وما زلت، وتفرّغت للكتابة والنشاطات في ثقافة الأطفال.

لست عضوًا في أي جمعية أو مؤسسة ثقافية، بسبب رغبتي في التفرّغ، لأن انضمامي إلى مؤسسة قد يؤثر على عملي كثيرًا، فالمسؤولية أمانة، وأي عمل فيها يتطلب جهدًا ووقتًا، ومقابلات واجتماعات ومجاملات لا تنتهي، وهذه تُضعف من متابعة نشاطاتي وتؤثّر عليها سلبًا.

س: كيف ومتى بدأت تجربتك في الكتابة الأدبية للأطفال وما هي المراحل والمحطات التي مررت بها؟

ج: البداية كانت مع مسرح الأطفال عام 1970م، وجدتُ فيه تلبية لاهتمامي، ثم كتبت القصة القصيرة، ونشرت بعض القصص في صحف ومجلات محلية، وكتبت عددًا كبيرًا من القصص، لم تنشر وكنت أعرضها على ناشرين في الوطن العربي.

وفي هذه الأثناء كنت أتابع اهتمامًا آخر في السينما، وكتبت عدة مقالات نقدية نُشرت في صحف محلية، ثمّ انصبّ اهتمامي في ثقافة الأطفال.

خلال عملي في وزارة التربية معلمًا أشرفت على نشاطين: نادي اللغة الإنجليزية ولجنة المسرح، قدّمت نحو عشر مسرحيات للأطفال من تأليفي وإخراجي، وكان لعملي معلماً أثرٌ كبيرٌ على اهتمامي، وبعد أن تركت الوزارة تابعت مسرح الأطفال ونشاط الطفل التمثيلي، وكتبت في هذا الإطار أكثر من خمسين مسرحية طويلة وقصيرة ومقالات وكتب عن النشاطات التمثيلية، نُشرت في الأردن وبعض الدول العربية.

قدّمت أكثر من 340 لقاءً ثقافيًا مع الأطفال منذ عام 1980م (نشاط تمثيلي، قراءات قصصية، مهارات فنية مثل صنع دمى للمسرح ولوحات من قشّ وعربات من أسلاك معدنية وطائرات ورقية) في مختلف مكتبات الأطفال في الأردن، وفي بعض المراكز والمدارس، وما زلت بعون الله.

هناك محطة ذات أهمية كبرى في حياتي هي كتابة الدراسات النقدية، بدأت عام 1988م بدراسة عن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في أدب الأطفال، ونشرَتها مشكورةً جامعةُ الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إدارةُ الثقافة والنشر، تلتها 3 دراسات في الإطار نفسه، وأعتبرُ جهود الجامعة في هذا المجال سابقة غير موجودة آنذاك في الوطن العربي، لا سيّما أنّها مبادرة خيّرة من مؤسسة علمية بدا من الغريب أن تهتم بأدب الأطفال، وكان المسؤولون يُدركون أهمية هذا الأدب في التربية، فلديهم اهتمام حقيقي بالارتقاء بأدب الأطفال والدراسات عنه حتى يصبح جانبًا رئيسًا من ثقافة الأمة، لأهميته في تربية الأجيال. وتوالت الدراسات بحمد الله وفضله.

س: بيّن عن إصداراتك وهل أنت راض عنها؟

ج: إصدارات متنوعة تنوّع ثقافة الأطفال نفسها، فهناك القصة القصيرة، والرواية، والمسرحية والمقالة والدراسة، أمّا كوني راضيًا عنها فأعتبر نفسي ناقدًا شديد القسوة على أعمالي، وقد تعلّمت كثيرًا من ملحوظات الفاحصين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عندما كنت  أُرسل إليهم الدراسات.

ومع ذلك فالإصدارات جهد إنسان يُخطىء ويصيب، والمهم أنّ إصدارات المرحلة المبكرة تختلف كثيرًا عن المراحل التالية، ونسأل الله التوفيق والعون.

وأمّا المؤلفات فهي قصصية وعلمية لمختلف المراحل العلمية، نَشرت معظمها جامعةُ الإمام محمد بن سعود الإسلامية ومكتبُ التربية العربي لدول الخليج ومؤسسة أ ب ت (ABC)، هي دار نشر خاصة متخصصة في أدب الأطفال في الأردن.

س: هل لديك اهتمامات أدبية أخرى غير أدب الأطفال؟

ج: أتابع الأشرطة السينمائية لاهتمامي بالسينما، فهي تُثري تجربتي الثقافية، وتفتح نوافذ عديدة، وأقرأ كلّما تيسّر لي ذلك، كما أكتب عمّا يجري على الساحة في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية على وجه الخصوص، ومحاولات الآخر التي لا تكلّ في الهجوم الفكري والعسكري على الأمة، مثل ما يجري في فلسطين التي اغتصبها اليهود، وفي سورية والعراق واليمن، وهذا في إطار ضيّق إلى حد ما، وكتبت عدة قصص وأكثر من دراسة في هذا الموضوع، منها ثلاث بالإنجليزية.

س: ما هي العوامل التي أثارت اهتمامك بكتابة أدب الأطفال؟

ج: هذا قدرٌ، ومنذ الطفولة وأحسّ باهتمام شديد لهذه المرحلة، وكان للقراءات دور مهم، فقد زادت من هذا الاهتمام، وكذلك الأشرطة السينمائية ومسرحيات الأطفال التي تركت أثرًا كبيرًا، وبقي هذا يتفاعل في عقلي وقلبي، مع شعور بأنّ هناك أشياء كثيرة لا بدّ من إنجازها، كذلك ساعدتني اللغتان الإنجليزية والفرنسية على الاطلاع على ما يُكتب في أدب الأطفال.

كما أن عالم الأطفال يتميّز بالصدق والبراءة والمحبة، وهذا يصعب أن يكون في عالم الكبار، يتقبّل الطفل منك بسهولة، أما الكبير فإنّه يجادل كثيرًا، ويحاول أن يثبت أنه على معرفة بكل أمور الدنيا.

س: هل يختلف أدب الطفل عن غيره من الآداب وأين تكمن صعوبته في نظرتك؟

ج: لعلّ هذا من أهم الأسئلة التي تُطرح على الساحة، نعم، يختلف عن أدب الكبار، لا سيما إن تحدّثنا عن الأدب الموجّه للمراحل المتقدمة المبكرة (من سن 2-4، 4-7، 7-9)، وللخيال دور مهم في هذا الشأن، وإن شئنا أن نتحدّث عن الصعوبة، فإنّ كاتب أدب الأطفال يبتسم ويقول: “هذا عالمي، وساحتي، وحياتي، أعيش حياتي وأنا أقدّم ما هو جزء من حياتي، نعم، تعترضني صِعابٌ، أحاول أن أتخطّاها بعون الله”.

أما مَن يدخل هذا العالم ولا يملك الرؤية والمنهج والأدوات والقدرات، فهو غير قادر على إنتاج أدب جيّد، ومع ذلك فإنّ من يمتلكها يواجه صعاب كثيرة، منها اللغة واختيار الألفاظ الخاصة بكل مرحلة، والموضوع بحد ذاته، هذا إن كان يتابع ما يُكتب في اللغات الأخرى، مترجمًا أم بلغته، لأن هذا يثري تجربته.

س: هل أثّرت دراستك وأبحاثك على علاقتك كأب بأطفالك؟

ج: تزوجت قبل نحو 3 عقود، ولم أُوفق بزواجي، وعقدت العزم على التفرّغ للعلم بشكل عام، وعلاقتي كانت مع أولاد أشقائي، وآلاف الأطفال الذين أقابلهم في النشاطات التي أقدّمها، وأقول إنّهم قد أثروا فيّ كثيرًا، وحتى أولئك الذين أراهم كل يوم في الشارع يتركون أثرًا بطريقة أو أخرى، ويُفعّلون قصصًا جديدة من خلال مواقف قد لا يلتفت إليها المرء، أمّا أنا فأراقبها باهتمام.

س: متى يمكن أن تقدم جرعات من الأدب الإسلامي للطفل؟

ج: يمكن أن تقدّم القيم الإسلامية في الأدب في مرحلة مبكرة (من سن 2-4)، والمهم هنا ألا نكون وعظيين مباشرين، لأن الأدب يختلف عن الدرس الوعظي.

ومعلوم أن التعلم والتعليم بالقدوة أمر مهم، فالكبار هم أسوة حسنة للصغار.

س: ما هي الأسماء في مجال أدب الأطفال التي تسترعي انتباهك في المشهد الثقافي المحلي؟

ج: اتصالي بأدباء هذا الأدب ضئيل، فإني لست عضوًا في أي تجمّع ثقافي خاص بأدب الأطفال، والسبب التزامي بعملي: التعليم والتأليف والنشاط مع الأطفال لا يتيح لي مجالاً لأتصل بالآخرين، كما أن الاتصال بالمهتمين في هذا المجال قد يعود عليّ بأمور لا أرضى عنها، فالمنفعة والمصلحة والمجاملة تغلب على العلاقات، وهذا أمر لا أرغب فيه، لأن أداء الأمانة سيكون مرهونًا بهذه العلاقات والمصالح، فيخرج أدب الأطفال عن هدفه، ليصبح وسيلة تكسّب ومنفعة. ولهذا أنا بعيدٌ عن هذه المؤسسات والأفراد، ولا أتّهمُ أحدًا، ولكنني حذرٌ جدًا، وهناك آخرون يدركون ما أعني، وهم بعيدون عن تلك الأجواء غير المرغوب بها.

ومع ذلك، أقرأ بين وقت وآخر أعمالاً في أدب الأطفال لكتّاب، بقدر ما يُتاح لي منها، وأكثر اسم تأثرت به منذ أكثر من 4 عقود هو زكريا تامر، المتميّز بأسلوبه وموضوعاته.

س: كيف يمكن أن نتقمص شخصية الطفل ونفكر بطريقته حتى نستطيع أن نكتب ونصل إليه؟

ج: سؤال مهم، والجواب هو ما يمتلك الكاتب من قدرات نفسية وعقلية ومعرفية واهتمام تتيح له أن يكون “طفلاً كبيرًا”، يتفاعل مع مادته الأدبية كأنه طفل يمتلك إمكانات التأليف والكتابة ومخاطبة الطفل بـإبداع ونجاح، حتى يتحوّل الطفل القارىء إلى فضاءات التفكير الحر والابتكار والإبداع، مثل أطفال الدول الأخرى، فالمربون هناك يهتمون بالطفل وتربيته وثقافته اهتمامًا كبيرًا.

س: ما مدى أهمية دور الأدب للارتقاء بنفسية الطفل ورفع مستواها الفكري والأدبي؟

ج: يدرك كاتب أدب الأطفال أنّه يعمل ليرتقي بالطفل، في إطار منهج علمي يحرص على أن يكون الطفل مستقبلاً قادرًا على أن يقود أمَّتَه نحو حضارة متجددة، وهو يحمل إرثًا عظيم شأن أسهم في إنجازه علماء من أمثال البخاري والطبري وابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن الشاطر وابن النفيس وابن حجر العسقلاني وفؤاد سزكين، ذكرناهم على سبيل المثال لا الحصر، وهذا هدف سامٍ يضعه الأديب نصب عينيه، فيصبح الطفل مشروع “عالِمٍ” يُسهم في حضارة أمته، ويفيد حضارات الآخر، وهذا هدف أساس من أهداف التربية بمفهومها الشامل.

س: كيف يمكن إثارة اهتمام الأطفال بتعلم اللغة العربية وهم لايشعرون بكلل وملل؟

ج: سؤال يُثير حزنًا ودافعًا معًا! لغتنا العربية مظلومة، وهي هويتنا ووعاء حضارتنا، فإنها تقف باستحياء أمام أطفالنا، لأنّ المربين من آباء وأمهات ومعلمين ووُعّاظ وأمينات مكتبات ومشرفين على مراكز ثقافية وأدباء، هؤلاء لا يملكون قدرًا مهمًا من العناية بها وإيصالها قوية إلى أطفالنا، إلا مَن رحم ربي، وهناك قطيعة بين المربين وبين معاجم اللغة العربية التي علّمت الآخر، ويكفي أن ننظر إلى معجم لسان العرب -على سبيل المثال- الذي لا شك قد تأثر بمنهجه صانعو معجم أكسفورد الإنجليزي الضخم، وأمّا نحن فقد عجزنا عن أن نبيّن لصغارنا قيمة معاجمنا ومؤلفيها في دائرة اهتمامنا بلغتنا العربية، ونحن خارجها، وما أكثر ما تتردد العامية بدل الفصحى في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا التربوية الثقافية.

آتي على مشهد في صلب هذه المسألة يمثّله كتابان: الأول عنوانه “ولدي ليس جبانًا” (نشر عام 2015م)، وهو ضمن مجموعة موجّهة إلى طلبة المدارس ضمن المرحلة الأساسية، يحوي خمس قصص قصيرة لطلبة الصف الثاني الأساسي (من عمر 7-8 تقريبًا)، لغته لا تناسب المرحلة لأنها أكثر صعوبة، كما أنّ معالجة موضوعاته تنفّر وتثير الملل، ورسائل قصصه وعظية مباشرة، مع أنّ مؤلفيه معروفون في مجال أدب الأطفال، والأهم من هذا أنّ القصص لا تراعي المفردات الخاصة بتلك المرحلة، ولا التراكيب اللغوية التي لابد أن تعتمد على جمل قصيرة تناسب تلك المرحلة التي تتوجه لها، فالمسألة العلمية هنا معدومة، ويبدو أنّ مؤلفه لا يعرف المعجم اللغوي الخاص بتلك المرحلة، ورسوماته بريشة شخص يبدو أنّه مبتدىء، لم يطّلع على رسومات كتب الأطفال في أيامنا هذه.

والكتاب الآخر “The Toys’ Party” لمؤسسة أكسفورد التابعة لجامعتها ضمن سلسلة Oxford Reading Tree قصة واحدة ممتعة شائقة للطفل في مرحلة مبكرة نسبيًا، يعتمد أساسًا على مفردات سهلة التناول لتلك المرحلة ضمن تركيبة لغوية لا تحوي أكثر من خمس كلمات في الصفحة الواحدة مع رسم مميّز لكل صفحة.

والسلسلة متدرجة من حيث اللغة والموضوعات التي تناسب كل مرحلة عمرية، غرضها أن يتعلّم الطفل القراءة وأن يحبها.

يضعنا المشهد هذا أمام عقلين: العقل الذي يحتاج إلى تغيير جذري حتى يتمكّن من السير في موكب التقدم والحضارة، والعقل المنفتح المتغير على الدوام القادر على العطاء وفق أسس علمية، مع اعتبار الجانب التعليمي التربوي الذي يواكب عقول الأطفال ونفوسهم، ويأخذ بأيديهم إلى الارتقاء بلغتهم.

س: التعليم هو أنبل مهنة وقد قضيتَ أكثر من ربع قرن في تلك المهنة فما حصادك غير ما كتبته للأطفال؟

ج: التعليم رسالة، الحصاد طلاب كانوا بالأمس البعيد صغارًا، والآن أصبحوا رجالاً في ميادين الحياة المختلفة، وما زلتُ على اتصال بعدد منهم بعد أربعين عامًا، أذكرهم بالخير دائمًا لأنهم كانوا جزءًا من مشروع تربوي ثقافي تفاعلوا معه وإن كانت الفترة قصيرة، استطعنا -هم وأنا- من إنجاز نشاطات ثقافية وسط بيئة يكاد اهتمامها بالثقافة أن يكون معدومًا، وأتحدّث هنا عن عملي في وزارة التربية 1974-1980م، وأما ما بعد ذلك فقد كان وما زال في الإطار ذاته وإن كان على مستوى أفراد وليس جماعات.

لقد كان الهدف من ذلك النشاط إيجاد رجال قادرين على التغير، وإن كان قطرة لتحريك مياه راكدة.

س: إذا كان الأدب المرئي للطفل يعتبر أسهل الطرق للتربية، فما المخاطر التي تواجه أطفالنا جراء ما يعرض فيه وما المسؤولية الملقاة علينا؟

ج: “كتاب الطفل الورقي” في أزمة، وما كنا من قبل نعطيه هذا المصطلح، كنا نقول “كتاب الطفل”، والأزمة تتمثّل في الوسائل الرقمية التي لها أثر جذب كبير للأطفال، وإعراض الأطفال عن الكتاب يمثّل تحديًا أمام الكبار، يمكن مواجهته عن طريق قراءة الكبار، وهم قدوة للصغار، وقيامهم أينما كانوا بتخصيص وقت يومي للقراءة مع الصغار، هل هذا أمرٌ يصعب تحقيقه؟ يبدو كذلك في خضم حياة مزدحمة بالمشكلات، صنعناها بأيدينا، وألهتنا همومُ الحياة عن الاهتمام الحقيقي بتربية أطفالنا، وغرس حب القراءة في قلوبهم وعقولهم ونفوسهم.

س: الطفل العربي في ظل العوالم المفتوحة، فهل تشعر بقلق إزاء مستقبله في ظل فوضى هذه العوالم، كيف تفسِّر ذلك؟

ج: يساعد الكاتبُ الطفل على أن يتجه الوجهة الصحيحة، فهو مربٍ، ودوره لا يقل عن دور الوالدين والمعلمين وغيرهم من الذين يتولون تربية الطفل.

وكلّما استطعنا، نحن الكبار، أن نفهم الصغار ونقترب منهم ومن طموحاتهم وآمالهم ومشكلاتهم كلما استطعنا أن نكسبهم إلى جانبنا، وكأننا بذلك نساعد على تحصينهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ليتمكّنوا من مواجهة العالم من حولهم، وعندما ينشأ الصغير وهو يحافظ على قيم أمته، فإنه يقدر أن يتعامل مع المتغيرات الكثيرة في حياته عندما يكبر، فيُسهم كاتب أدب الأطفال في صنع مستقبله.

لستُ قلقاً على مستقبله ما دام الكبار يؤدون الأمانة في إطار الحديث النبوي “كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”، أمّا إن قصّر الكبار، فإن مستقبل الصغار معرّض لأخطار، نسأل الله تعالى أن يجنبنا إيّاها.

س: ما مشاريعك الأدبية المستقبلية؟

ج: ثقافة الطفل عظيمة الشأن تتطلّب عملاً دؤوبًا، والمشاريع لقادم الأيام هي استكمال ما بدأت بعون الله: فهناك الدراسات التي تتناول ما يقرأ أولاد الأمة في مختلف مجالات المعرفة، لا سيّما في مجال التاريخ الإسلامي، وما في كتبهم من أخطاء ومفتريات وأكاذيب وضلالات دوّنها كتّاب ينقلون عن غيرهم لا يُدركون خطورتها.

ثم هناك قصص من السيرة النبوية وسير الصحابة، وقصص من التاريخ الإسلامي، وهناك مؤلفات عن هذا التراث العظيم الذي تركه لنا أجدادنا الصالحون، وعلينا إعادة تقديمه لأطفالنا بأساليب متعددة، إضافة لقصص تتناول موضوعات ذات علاقة بحياة الأطفال وواقعهم، وهناك أيضًا قصص بالإنجليزية عن فلسطين وتاريخها الحديث. فهذه بعض مشاريع قادم الأيام، إن كان في العمر بقية.

س: ما رسالة الأستاذ محمد بسام ملص لكل من يهتم بأدب الأطفال؟

ج: أدب الأطفال يصنع من الأطفال رجالاً ونساء يقومون بأفعالهم الحضارية للارتقاء بأمتهم، ولا بدّ والحال هذه أن تؤثر أفعالهم بالآخر، وهذا ما حدث مع أجدادنا الصالحين الذين قدّموا إسهامات متميّزة للأمة، وأثّروا تأثيرًا مهمًا في الآخر.

أديب الأطفال يصنع أجيالاً، مثله مثل أيِّ مربٍّ، وعليه مسؤولية عظيمة الشأن، فهو يقدّم كل ما يراه صالحًا ونافعًا للأطفال، يهتم باللغة العربية، فيقدّمها في أطر شائقة تجذبهم وتحبّبهم إليها، ويهتم بقيم الأمة، فيقدّمها بأساليب بعيدًا عن التقليد السائد والسرد المملّ، وينتقل إلى تاريخ أمته، فيفتح صفحات الخير لهم، حتى يدفعهم ليقتدوا بمن صنع ذلك التاريخ الخيّر، فيقوموا بدورهم في الفعل الحضاري المرجو.

كاتب أدب الأطفال يُحسن من أدائه، ولا يرضى أن يقدّم أعماله دون مراجعة وتمحيص وتدقيق، فهو ناقد قاس، شديد القسوة على كتاباته، لا يقبل أن ترى النور إلا بعد أن يُدقّق ويعيد الكتابة إن لزم الأمر مرة ومرة، وهو لا شكّ متمكّنٌ مِن أدواته، يعرف معرفةً جيدةً المرحلة التي يكتب لها، فلكل مرحلة عمرية مفرداتها وتركيباتها اللغوية وموضوعاتها، وهذا أمر لا يتمّ إلا بالعمل والجهد والممارسة والاقتراب من الأطفال ومعرفة اهتماماتهم وآمالهم وطموحاتهم، والاطلاع على ما يؤذيهم وما يمكن أن يؤثر عليهم سلبًا.

أديب الأطفال يرفض أن تُملى عليه شروط أي ناشر يرغب في تسويق سلاسل معينة لأغراض مالية أو فكرية، فيناقش الناشرَ، ويُبدي رأيه لأنّه صاحب الكلمة والأعمال، فلا يكون طامعًا في مكافأة، فهو في الأصل لا يكتب للتكسب، فإن كان هذا هدفه وهو يرى في ميدان أدب الأطفال وسيلة للربح، فإنّه على خطأ كبير، فليتوجه إلى أي عمل تجاري.

أدب الأطفال تغيير وتربية، فالكاتب يحمل هذه المسؤولية.

أسأل الله أن يعين الأدباء على أداء الأمانات، وأن تكون أفعالهم وفق ما ترتضيه قيمنا، فيضعون لَبِنَاتٍ قويةً في بناء هذه الأمة لما فيه خير أولادها، الأمل والمستقبل.

في النهاية، أشكرك شكرًا جزيلاً على منح هذه الفرصة السعيدة لإجراء هذا الحوار  النافع.

* باحث، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند.
تحميل الحوار